إخوان الصفاء
450
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
عليها ما هم فيه مختلفون ، سواء كان ما اتفقوا عليه حقّا أو باطلا ، صوابا أو خطأ . وأما المرتاضون بالبراهين الهندسيّة أو المنطقية فإنهم يجعلون قوانين قياساتهم الأشياء ، التي هي في أوائل العقول ، أصولا ومقدّمات ، ويستخرجون من نتائجها معلومات أخرى ليست بمحسوسات ولا معلومات بأوائل العقول ، بل مكتسبة بالبراهين الضرورية ، ثم يجعلون تلك المعلومات المكتسبة مقدّمات وقياسات ، ويستخرجون من نتائجها معلومات أخرى هي ألطف وأدقّ مما قبلها ؛ وهكذا يفعلون دائما طول أعمارهم . ولو عاش الإنسان عمر الدّنيا لكان له في ذلك متّسع . فصل في أن الحيوانات تتفاوت في الحواس ومعلوماتها واعلم يا أخي بأن من الحيوان ما له حاسّة واحدة ، ومنه ما له حاسّتان ، ومنه ما له ثلاث حواسّ ، ومنه ما له أربع ، ومنه ما له خمس حواسّ كما بيّنّا في رسالة الحيوان . واعلم يا أخي بأن كلّ حيوان كان أكثر حواسّ فإنه يكون أكثر محسوسات ، فأما الإنسان فله هذه الخمس بكمالها ، ولكن كل من كان من الناس أكثر تأمّلا لمحسوساته ، وأكثر اعتبارا لأحوالها ، كانت المعلومات التي في أوّليّة العقل في نفسه أكثر . ومن كان بهذا الوصف وجعل هذه المعلومات الأوّليّة مقدّمات وقياسات ، واستخرج نتائجها ، كانت المعلومات البرهانية في نفسه أكثر . وكل من كان أكثر معلومات حقيقة ، كان بالملائكة أشبه وإلى ربّه أقرب .